دعوا أحزانكم جانباً .. فالأرواح تزهر بولادة السيدة زينب (ع)
دعوا أحزانكم جانباً .. فالأرواح تزهر بولادة السيدة زينب (ع)
الحمد لله رب العالمين .. اللهم صلّ على محمد وآل محمد .
المفروض في الكلام عن ولادة السيد زينب (ع) أن أتحدث بلغة الفرح والابتسامة بيوم ولوجها لهذه الدنيا الفانية ، ولكن الكلام عن هذه السيدة الجليلة لابد أن يجري على غير المعهود في هذه المواضيع .. لجلالة مولدها ، ولجلالة شخصيتها ، ولجلالة حتى الحديث عن لطائف وجودها .
فقد أطلّت السيّدة زينب (ع) على الدنيا في الخامس من شهر جمادى الأولى في السنة الخامسة للهجرة ، في بيتٍ أَذِن اللهُ أن يُرفع ويُذكر فيه اسمُه ، وفتحت الوليدة المباركة عينيها تتطلّع إلى وجوهٍ أكرمها ربّ العزّة عن أن تسجد لصنمٍ قطّ ، مُتسلسلةً في أصلاب الطاهرين وأرحام المطهّرات .
نعم ، زينب الكبرى (ع) وُلدت في بيت الوحي والولاية ، وعاشت في حضن النبوة ومهد الإمامة والولاية ومركز نزول الوحي الإلهي ، ونشأت في حضن شبيه النبي ونفسه وصاحب الولاية والوصاية أمير المؤمنين (ع) ، ورضعت من المرأة المعصومة الفريدة في عالم الوجود فاطمة الزهراء (ع) ومنها تعلّمت الحنان والعفة والحياء والشهامة والعطف .. وإلى جانب ذلك فقد كبرت وتربت إلى جانب كبار أساتذة عالم الإنسانية رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع) وأخويها الحسن والحسين (عليهما السلام) .
وحين ولادتها يفصلها عن الإمام الحسين (ع) عامٌ أو عامان . وكلّنا يعلم أنّه عندما يكون الأولاد متقاربين في تاريخ الولادة ، فإنّهم يلعبون مع بعضهم بعضاً ، وينمون ويكبرون معاً ، فتصبح العلاقة العاطفيّة والأخويّة بينهم أقوى وأشدّ .. وهو ما جعلها بطلة كربلاء بلا منازع .
فقد برزت شخصيّة السيّدة زينب (ع) في التاريخ من خلال واقعة كربلاء ، حيث دفع هذا الحدث المهيب بالسيّدة زينب (ع) إلى واجهة التاريخ من خلال حضورها في مقدّمة الأحداث .
في تلك الساعات المتأزمة التي يعجز فيها أقوى الناس عن تحديد مسؤولياته ، ولكنها أدركت مسؤوليتها ونصرت إمامها وجهزته للشهادة . وبعد استشهاده ، حين اسودت الدنيا وأظلمت القلوب ، شعّت هذا السيدة كالنور المتوهج .. لقد بلغت السيدة زينب (ع) مكانة يعجز عن بلوغها أحد سوى الأنبياء .
عاشت السيّدة زينب (ع) في المدينة المنوّرة ، وبقيت فيها إلى سنة 35 للهجرة ، عندما تولّى الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) مسؤوليّة الخلافة . وإثر الأحداث التي حصلت وخروجه إلى العراق وإلى الكوفة ، خرج معه عبد الله بن جعفر ، زوجها ، فخرجت السيّدة زينب وأولادها وعائلتها مع عبد الله بن جعفر ومع أمير المؤمنين (ع) إلى الكوفة ، وبقيت في الكوفة أقلّ من خمس سنوات ، وهي فترة ولاية أمير المؤمنين (ع) وخلافته ، وعدّة أشهر مع الإمام الحسن إلى صلح الحسن (ع) . وبعد الصلح ، عادت العائلة الشريفة كلّها إلى المدينة المنوّرة سنة 40 للهجرة ، وبقيت في المدينة 20 سنة ، فعاشت بقيّة حياتها فيها إلى سنة 60 للهجرة ، حيث عرجت من بعدها مع الإمام الحسين (ع) إلى كربلاء ، وكانت رحلة السبي التي عادت منها إلى المدينة مجدّداً .
إنّ السيّدة زينب (ع) كانت من القانتات اللائي وَقَفنَ حركاتهنّ وسكناتهنّ وأنفاسهنّ لله تعالى ، فحصلن بذلك على المنازل الرفيعة والدرجات العالية التي حَكَت برفعتها منازلَ الأنبياء والمُرسلين ودرجات الأوصياء (ع) .
روى الشيخ المجلسيّ عن السيّدة زينب (ع) ـ في حديث طويل ـ أنّها قالت : لمّا ضَرَب ابنُ مُلجَم (لعنه الله) أبي (ع) ، ورأيتُ أثرَ الموت منه ، قلت له : يا أبَه ، حَدَّثَتني أمُّ أيمن بكذا وكذا ، وقد أحببتُ أن أسمعه منك . فقال : يا بُنيّة ، الحديثُ كما حدّثتكِ أمُّ أيمن ، وكأنّي بكِ وببنات أهلكِ سبايا بهذا البلد أذلاّء خاشعين تخافون أن يَتخطّفكم الناس ، فصبراً صبراً ! فَوَ الذي فَلَق الحبّةَ وبرأ النسمةَ ، ما للهِ على ظهر الأرض يومئذٍ وليٌّ غيركم وغير محبّيكم وشيعتكم ، ولقد قال لنا رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) حين أخبرَنا بهذا الخبر : إنّ إبليسَ في ذلك اليوم يطير فَرَحاً فيجول الأرضَ كلَّها في شياطينه وعَفاريته فيقول : يا معشرَ الشياطين ، قد أدركنا من ذريّةِ آدم الطَّلِبَة ، وبَلَغنا في هلاكهم الغايةَ ، وأورثناهُمُ النارَ إلاّ من اعتصمَ بهذه العصابة ، فاجعلوا شُغلكم بتشكيك الناس فيهم ، وحَملِهم على عداوتهم ، وإغرائهم بهم وأوليائهم ، حتّى تستحكمَ ضلالةُ الخلق وكُفرهم ، ولا ينجو منهم ناجٍ ، ولقد صَدّق عليهم إبليسُ وهو كذوب ، أنّه لا ينفع مع عداوتكم عملٌ صالح ، ولا يضرّ مع محبّتكم وموالاتكم ذنب من غير الكبائر .
في كتاب (زينب الكبرى) للشيخ جعفر النقدي ، هذه القصة المؤلمة التي حددت حياة هذه السيدة العظيمة عن طريق كلام جدها رسول الله (ص) : رات السيدة زينب مناما وهي في عمر الطفولة وكان مناماً مخيفاً جديداً .. فحدثت بذلك جدها رسول الله (ص) فقالت : يا جداه رأيت البارحة ان ريحاً عاصفة قد انبعثت فاسودّت الدنيا وما فيها وأظلمت السماء وحركتني الرياح من جانب الى جانب فرأيت شجرة عظيمة فتمسكت بها لكي لا أسقط من شدة الريح العاصفة واذا بالرياح قد قلعت الشجرة من مكانها وألقتها على الأرض ! ثم تمسكت بغصن قوي من اغصان تلك الشجرة فكسرتها الرياح فتعلقت بغصن اخر فكسرتها الريح العاصفة !! فتمسكت بغصن آخر وغصن رابع ثم استيقظت من نومي .
وحينما سمع رسول الله (صلّ الله عليه واله) منها هذه الرؤيا بكى وقال : اما الشجرة فجدك واما الغصنان الكبيران فهما امك وأباك واما الغصنان الآخران فأخواك الحسنان ، تسوّد الدنيا لفقدهم وتلبسين لباس المصيبة والحداد في رزيتهم .
وجاء في التاريخ ان جمعاً من رجال الكوفة جاءوا الى الامام امير المؤمنين (عليه السلام) وقالوا : ائذن لنسائنا كي يأتين الى ابنتك ويتعلمن منها معالم الدين وتفسير القرآن .. فأذن الامام لهم بذلك فبدأت السيدة زينب بتدريس النساء .
ويعلم الله عدد النساء المسلمات اللواتي كن يحضرن درس السيدة طيلة اربع سنوات او اكثر .
وذات يوم دخل الامام امير المؤمنين (عليه السلام) الدار فسمع ابنته زينب تتحدث للنساء في درسها عن الحروف المقطّعة في اوائل السور وعن بداية سورة مريم بشكل خاص .
وبعد انتهاء الدرس التقى الامام بابنته وقال لها : يا نور عيني أتعلمين ان هذه الحروف هي رمز لما سيجري عليكِ وعلى اخيكِ الحسين في ارض كربلاء ثم بدأ يحدثها عن بعض تفاصيل تلك الفاجعة .
ويكفي في جلالة قدرها ونبالة شأنها ما ورد في بعض الاخبار من أنها دخلت على الحسين (عليه السلام) وكان يقرأ القرآن ، فوضع القرآن على الارض وقام إجلالا لها .
وفي احدى الجامعات كان هناك فتاة جميلة الوجه حسنة الاخلاق ترتدي عباءة وتحت العباءة ثياب سوداء .
في احدى الاختبارات كان الاستاذ ينظر إليها نظرة ليست جيدة وكان دائماً يودّ لو ان هذه الفتاة تعرض بجمالها امام الناس .. وكما كان معتقداً من باب التطور فسألها اثناء الاختبار : يا فلانة اني اراك دائماً تلبسين لباس السواد والعريض فلماذا ؟
لم تجبه رغم انها سمعت السؤال .
فسألها مجدداً : انك جميلة فلماذا أراكِ تحجبين هذا الجمال تحت هذا السواد ؟
فلم تجبه أيضاً .
ثم سألها : يا فلانة لماذا تلبسين هذه العباءة بينما ثيابك شرعية وليست مخالفة له ؟
عندها نظرت إليه وقامت قائلة : أسمعتَ بزينب بنت علي (ع) ؟
فقال : بلى ومن لم يسمع بتلك المرأة العظيمة وكيف لا اعرفها .
قالت : هل تعلم أنه بعد معركة الطف وعندما أصبحت أسيرة ويُسار بها الى الشام .. كانت على ظهر الناقة !
وكان صاحب الناقة يهز بالناقة هزاً عنيفاً .. حتى سأله صاحبه : يا هذا لماذا تهز الناقة هذا الهز ؟
فأجاب بكل سذاجة الطغاة : لكي تسقط تلك العباءة التي على رأس زينب .
عم الهدوء قاعة الإختبار .. وسألها الاستاذ : وماذا فعلت السيدة زينب (ع) ؟
فأجابت بقلب تحرقه العبرات : تركت كل شيء .. كل شيء .. كل شيء .. وامسكت العباءة كي لا تسقط عنها !
السَّلامُ على من تظافرتْ عليها المصائب والكروب ، وذاقت من النوائب ما تذوب منها القلوب .
زينب لذكرها تحّنُ القلوب ، ولمعرفتها تأنُّ النوائب .. فما أعظم القلوب إذا عُدّت زينب ، فهو أصبرها ! .. وما أكبر العقول في الإدارة والدراية إذا عُدّت زينب ، فهو أعقلها .
فإذا كان للسمو والرفعة والشموخ لسان فهو زينب (ع) .
اللهم إجعلنا ومن يلوذ بنا وأصحابنا ومحبينا من شفعائها يوم الورود إنك ارحم الراحمين .
شيخ ابو فاطمة الخفاجي

