إبني علي الغالي

Published:

0 wordsRead Time: Read Time: 0 minViews:Views: 0
Text Size:

إبني علي الغالي .. كلمات من أبيك الغالي

إبني علي الغالي .. كلمات من أبيك الغالي
الحمد لله رب العالمين .. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد .
بُني : إن الحروف التي تئن تحت أصابعي تريد أن أُسقطها على السطور هي من كلماتك عندما قلت (أبي الغالي) فهي عندي ليست سوى غبار نجوم ساقطة من سماء بعيدة من عالم البِر .. فصمتُ بعدها أتملى معناها .. فما أكتب إلا لتعلم أن الصمت الذي يسبق الكلمة أعمق من كل ما سطرته الأقلام .
بُني : وأنا أكتب هذه السطور عادت لي ذكريات  أيام طفولتك .. عندما أحملك أمامي على الدراجة الهوائية .. أو أحملك في زقاق سوق الخضار .. فأقول : أن تحتضن قطعةً منك ، قطعةً تتسمى بإسمك وتتباهى بها أمام كل البشر ، ليس شيئاً عادياً !
وأجرُّ حسرة إثر أخرى .. فعيب السنين إنها تصنع الذكريات .. وعيب الذكريات إنها لا تُعيد لنا تلك السنين .
بُني : تَصدّق عني ولو بكلمة في سبيل الله .. لأن
ما تقدمه للناس يُكتب بإسمك لا بإسمهم .. ونحن
لن نغادر الدنيا بما أخذناه بل بما أعطيناه ، فالصدقة لنا وإن بدت للفقراء ، والكلمة الطيبة لنا وإن أسعدنا بها غيرنا ، وجبر الخواطر لنا وإن مس أثره قلوب الناس !
إنّ الذي يسعى في حوائج الناس الدنيوية إنما يسعى في حوائج نفسه الأخروية ، اللهُ تَعَالَى يقول : {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ} .. فالمال الذي أمسكتَه سيتركك ، والكلمة التي قلتَها ستبقى ، والبسمة التي زرعتَها ستعود لك دروباً من نور .
وإنّ الخسارة الحقيقية هي أن تمرّ بك الفرص ولا تترك خلفك أثراً .. والصدقة أولها وأجملها !
بُني : وأنتَ في خضم هذا العالم المتلاطم ، ربما من ‏أعظم نِعم الله عليك هي راحة البال والضمير .
فإن وفقك الله في تحقيق ذلك فأنت تملك كل شيء .. فحين سُئل رجل ذات مرة : لو كانت هناك أمنية واحدة تُلبى لك الآن ماذا ستتمنى ؟
فقال : راحة البال .
واليوم وكأنني للمرة الأولى أقرؤها في كتاب الله :
“وأصلح بالهم” !
توقفت ملياً عند هذه الآية .. كلمة (بال) فصيحة وكنت أظنها عاميّة ، والبال هو موضع الفكر .. والفكر موضعه العقل والقلب .
فأنت حين تقول : أصلح الله بالك ، أي أصلح الله خاطرك ، وتفكيرك ، وقلبك ، وعقلك .
بُني : في جبر الخواطر اسمع هذه الحكاية :
مرت إمرأة بجانب رجل معاق ذهنياً وبيده عود يرسم به على الأرض .. فشفق قلبها عليه وسألته : ماذا تفعل هنا ؟
قال : أرسم الجنة وأقسمها إلى أجزاء .
فابتسمت وقالت له : هل يمكن أن آخذ قطعة منها ؟ وكم ثمنها ؟
نظر إليها وقال : نعم القطعة بعشرين دينارٍ .
فأعطت المرأة المعاق عشرين ديناراً وبعض الطعام وذهبت .
وفي ليلتها رأت في المنام أنها في الجنة !
وفي الصباح قصّت الرؤيا على زوجها وما جرى معها مع الرجل المعاق .
فقام الزوج وذهب إلى الرجل ليشتري قطعة منه
وقال له : أريد أن أشتري قطعة من الجنة ، فكم ثمنها ؟
قال الرجل : لا أبيع !
فتعجب الرجل وقال له : بالأمس بعت قطعة لزوجتي بعشرين ديناراً .
فقال الرجل المعاق : إن زوجتك لم تكن تطلب الجنة بالعشرين دينارٍ ، بل كانت تُجبر بخاطري ..
أما أنت فتطلب الجنة فقط ! والجنة ليس لها ثمن محدد لأن دخولها يمر عبر “جبر الخواطر” .
بُني : لا تملّ من ذِكر الموت .. لأن المؤمن الحقيقي هو الذاكر للموت في حِلّه وترحاله .
وقد خلق الله الموت قبل الحياة ، في قوله تعالى :
(خلق الموت والحياة …) .
فكم أحببتُ هذه الحكاية وهي تشير إلى غفلتنا عن الموت :
عند شراء الدجاج الحي تجد أن صاحب المحل يدخل يده في القفص ليُمسك الدجاج من أجل ذبحه ونتفه .. وليس هذا هو المهم ! ولكنه عندما يدخل يده في القفص يهرب الدجاج ويبتعد إلى الداخل فيكون بحالة فزع .. فيأخذ من حقَّ عليها الذبح .. فيعود الدجاج إلى وضعه الطبيعي يأكل ويشرب .
وتتكرر هذه العملية باستمرار ، ويبقى الدجاج بين حالتين :
الأولى : فزع من الذبح (لحظة الهروب)
الثانيه : نسيان (يأكل ويشرب)
لكنه مع هذا كله في آخر النهار سيكون القفص مفرغاً بالكامل من الدجاج ولا يبقى إلا الأثر .
بُني : هذا هو حالنا مع ملك الموت .. نرى الأموات ونتعظ لحظات (مراسم الدفن) ، وبعد ذلك نعود للدنيا كأن شيئا لم يكن .. ولكن في نهاية المطاف الكل سيموت (مسألة وقت)
يقول الحق تبارك وتعالى : (كل من عليها فان 0 ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) .
بُني : أصابنا الفزع أمس عندما حدثت زلزلة أو هزة إرتدادية كما يقول المعنيون في هذا الأمر .. فذكرتُ علي ابن أبي طالب (ع) في ذلك الوقت ، لأنه حامي الحمى .
قالت الزهراء (ع) :
أصاب الناس زلزلة على عهد أبي بكر ، ففزع الناس الى أبي بكر وعمر ، فوجدوهما قد خرجوا فزعين الى علي بن أبي طالب (ع) ، فتبعهما الناس حتى انتهوا الى باب علي ، فخرج إليهم علي غير مكترث لما هم فيه ، ومضى فاتبعه الناس حتى انتهى الى تِلعة ، فقعد عليها ، وقعدوا وهم
ينظرون الى حيطان المدينة ترتج جائية وذاهبة ،
فقال علي (ع) لهم : كأنكم قد هالكم ما ترون ؟
قالوا : وكيف لا يهولنا ولم نر مثله قط .
قالت (ع) : فحرّك شفتيه ، فضرب الأرض بيده ، ثم قال : مالك ؟ أُسكني ، فسكنت .
فعجبوا من ذلك أكثر من عجبهم أولاً حين خرج اليهم ، فقال : انكم قد عجبتم من صنيعي ؟
قالوا : نعم .
قال (ع) : أنا الرجل الذي قال الله عز وجل : (اذا زلزلت الأرض زلزالها ، وأخرجت الأرض
أثقالها ، وقال الانسان ما لها) فأنا الانسان الذي أقول لها : ما لها ، (يومئذ تُحدّث أخبارها) إياي تحدث .
بُني : الكلام عن أمير المؤمنين (ع) لا ينقطع حتى آخر نفس في هذه الدنيا .
فعن ابن عباس قال :
جاء رجل الى النبي (صلى الله عليه واله) فقال : هل ينفعني حب علي بن ابي طالب ؟
فقال : حتى اسأل جبرئيل ، فسأله فقال : حتى اسأل اسرافيل ، فارتفع جبرئيل فسأله فقال : حتى اناجي رب العزة ، فأوحى الله الى اسرافيل قل لجبرئيل يقرأ على محمد السلام ويقول له : أنت مني حيث شئت ، أنا وعلي منك حيث انت مني ، ومحبو علي منه حيث علي منك .
والله يا بُني ما ذكرتُ هذا الحديث إلا وخنقتني العبرات لأكثر مظلوم من أهل البيت (عليهم السلام) .
بُني : إياك والحرام مهما كان مصدره أو صغره . فالحرام ليس خطيئةً ضد قانون ، بل انكساراً في إيقاع الروح .
ليست كل الأشياء تُحرَّم لأنها تؤذي الجسد ، فالجسد أهون من أن يكون معياراً ، لكن لأن بعضها يُطفئ النور الذي به تُدرك الحقيقة .
هناك أفعال لا تُحدث خراباً ظاهراً ، ولا تترك جرحاً محسوساً ، لكنها تفعل ما هو أخطر : تُخمد الشفافية الداخلية ، وتُثقِل الوعي حتى يعجز المرء عن التأمل .
فكل شيء في الوجود متصل .. الفكرة بالفعل ، والفعل بالحال ، والحال بمستوى النور .. فإذا انخفض النور لم ينقطع الطريق فجأة ، بل صار غير مرئي .
قد تظن أنك تسير ، وأنت في الحقيقة تدور حول نفسك .
الحرام في الباطن ليس منعاً من اللذة ، بل حماية للقدرة على الشهود .. لأن من فقد حضوره مهما امتلك فقد فَقَدَ نفسه .
اَللّهُمَّ ثَبِّتْني عَلى دينِكَ ما أَحْيَيْتَني وَلا تُزِغْ قَلْبي بَعْدَ اِذْ هَدَيْتَني وَهَبْ لي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً اِنَّكَ اَنْتَ الْوَهّابُ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَعَلى آلِ مُحَمَّد وَاجْعَلْني مِنْ أَتْباعِهِ وَشيعَتِهِ وَاحْشُرْني في زُمْرَتِهِ اِنَّكَ اَنْتَ الْعَزيزُ الْحَكيمُ .

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img