الإمام السجاد (ع) .. الثائر العليل
الحمد لله رب العالمين ، اللهم صلِّ على محمد وآل محمد .
والله عندما أنادي (يا علي) أشعر أن الفطرة السليمة هي التي تدفعني إلى ذلك النداء ، ليضم ويتضمن جميع الأئمة الذين تَسموا بعليّ ، فكان السجاد (ع) من أبرزهم .
كانت والدة الإمام السجاد (ع) قد اتصفت بالعفة ، والطهارة ، والكمال ، وسمو الأخلاق ، وحدّة الذكاء ؛ ولذلك بادر أمير المؤمنين (ع) إلى زواجها من ولده الإمام الحسين (ع) ، كما عهد إليه بالإحسان إليها ، والبر بها ، قائلاً له : وأحسن إلى شهربانويه ، فإنها مرضية ستلد لك خير أهل الأرض بعدك .
وقد ورد في بعض الروايات أن الرسول الأعظم (صلی الله عليه وآله) قد سمّاه بـ “علي” ولقّبه بـ “زين العابدين” ، وذلك قبل أن يولد بعشرات السنين ، فقد روى جابر بن عبد الله الأنصاري قال كنت جالساً عند رسول الله (صلی الله عليه وآله) والحسين في حجره ، وهو يداعبه ، فقال : يا جابر يولد له مولود اسمه “علي” إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ ليقم سيد العابدين ، فيقوم ولده ، ثم يولد له ولد اسمه محمد ، فإن أدركته يا جابر فأقرأه مني السلام .
ونص أمير المؤمنين (ع) على إمامة الإمام زين العابدين فقد قال للإمام الحسين (ع) : إنك القائم بعد أخيك الحسن ، وإن رسول الله (صلی الله عليه وآله) يأمرك أن تدفع المواريث من بعدك إلى ولدك زين العابدين فإنه الحجة من بعدك ، ثم أخذ بيد زين العابدين وكان طفلاً وقال له : إن رسول الله يأمرك أن توصي بالإمامة من بعدك إلى ولدك محمد الباقر واقرأه من رسول الله ومني السلام .
وكان من أحد أدلة إمامة السجاد (ع) هو ما رواه الشيخ الطوسي عن الإمام الباقر (ع) أنه قال :َ لمّا توجه الْحُسَيْنُ (ع) إِلَى الْعِرَاقِ دَفَعَ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ (صلی الله عليه وآله) الْوَصِيَّةَ وَالْكُتُبَ وَغَيْرَ ذَلِكَ ، وَقَالَ لَهَا : إِذَا أَتَاكَ أَكْبَرُ وُلْدِي فَادْفَعِي إِلَيْهِ مَا قَدْ دَفَعْتُ إِلَيْكِ ، فَلَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ أَتَى عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ أُمَّ سَلَمَةَ ، فَدَفَعَتْ إِلَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَاهَا الْحُسَيْنُ .
كان الإمام السجاد (ع) من أرحم الناس وأبرهم بأهل بيته ، وكان لا يتميز عليهم ، بل كان كأحدهم ، ويُنقل عنه قوله : (لأن أدخل السوق ومعي دراهم أبتاع بها لعيالي لحماً ، وقد قرموا [أي اشتد شوقهم إلى اللحم] أحب إلي من أن أعتق نسمة) .
وكان يبكر في خروجه صبحاً لطلب الرزق لعياله ، فقيل له : إلى أين تذهب ؟ فقال : أتصدق لعيالي من طلب الحلال ، فإنه من الله صدقة عليهم .
وكان (ع) يفسر قوله تعالى : ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ بقوله : السلم هو ولاية الإمام أمير المؤمنين (ع) .
وذكرت كتب التاريخ انه لما دخلت عيال الحسين (ع) إلى المدينة المنورة وعلى رأسهم الإمام زين العابدين (ع) خرج إليهم أهل المدينة وقد أخذوا الطرق والمواضع ، وكان الإمام (ع) بينهم ومعه خرقة يمسح بها دموعه . فقال : (… أيها الناس أصبحنا مطرودين مشردين مذودين شاسعين عن الأمصار كأنا أولاد ترك وكابل ، من غير جرم اجترمناه ، ولا مكروه ارتكبناه ، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها ، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ، إن هذا إلا اختلاق والله لو أن النبي تقدّم إليهم في قتالنا كما تقدّم إليهم في الوصاءة بنا لما ازدادوا على ما فعلوا بنا ، فانا لله وإنا إليه راجعون ، من مصيبة ما أعظمها ، وأوجعها وأفجعها ، وأكظها ، وأفظعها ، وأمرّها ، وأفدحها ؟ فعند الله نحتسب فيما أصابنا وما بلغ بنا إنه عزيز ذو انتقام) .
كان لإستشهاد الإمام الحسين (ع) صدى في الحياة السياسية للإمام السجاد (ع) ، إذ إنتهى بعد الاستشهاد الحسيني ، الحكم السفياني وبدأت مرحلة الحكم المرواني في حياة الامام السجاد (ع) ، وكان يقود ذلك الحكم مروان إبن الحكم طريد رسول الله (ص) ، وجاء من بعده عبد الملك إبن مروان الذي قالوا له : (إن علي إبن الحسين خطر على دولتنا ويجب قتله) ، فردّ عليهم عبد الملك قائلاً : ( جنبوني دماء آل أبي طالب أرأيتم كيف زال ملك آل أبي سفيان بقتل الحسين) .. عندها بدأت مرحلة قتل الأئمة (ع) بالسم .
عندما رجع السجاد (ع) بعد دفنه لأجساد الطف ، بقيت واقعة كربلاء أمام عينه ، وإمتزجت في دمه وسرت في عروقه ، فجعلته يثأر ويثور بالدعاء لأنه سلاح المؤمن .
فكان السجاد (ع) قد إستخدم الدعاء بعد أن ألقى الحجة على الأعداء طيلة مسيرته من كربلاء حتى المدينة .
فكانت كربلاء في ضمير السجاد (ع) دعاءً وبكاءً ، ليس لأنه فقد أبوه الحسين (ع) ، وإنما يبكي إمام زمانه وسفينة النجاة الذي كان منهل الحياة ، والذي تخلّى عنه الباقون فأُصيبوا بداء الضلالة .
نعم كان السجاد يحمل دعاء كربلاء في كل مكان وزمان ، لأنه الوسيلة الوحيدة التي تحكي وتحاكي دواخله .
والذي يزيد من نَفَسه المهموم ، رنين كلمات أبيه الحسين (ع) عندما خالطت قلبه وجَنانَه ، ومازالت تساوق روحه وهو يقول له : (يا ولدي علي والله لا يَسكُن دمي حتى يبعث الله المهدي فيقتُل على دمي من المنافقين الكفرة الفسقة سبعين الفاً) .
وقَسم الإمام المعصوم عندما يقول : (والله لا يَسكُن دمي ) ليس كقَسم أي أحد منّا حتى ولو كان أعلم العلماء ، لأنه قَسمٌ محتوم الوقوع مستقبلاً ، وهو ما يرادف قول الرسول (ص) (ان لقتل إبني الحسين حرارة لا تبرد إلى يوم القيامة) .
وأما باقي كلمات حديث أبيه فقد شنّفت أذنه ، لأن المهدي المقصود هو من أبنائه .. فكان المهدي (عج) من نسل الحسين (ع) ومن نسل السجاد (ع) .
فعَلِم السجاد (ع) أن الحديث الحسيني العلوي هذا موجه له والمقصود شيعته .. لأن الإحياء العاشورائي إن لم يكن إحياءً مهدوياً ، فهو شعار وليس شعور .. وما أكثر الشعارات وأقل الشعور .. وهو ما عَمِلَ به الإمام السجاد (ع) طيلة حياته المباركة ، من بعد انتهاء معركة الطف حتى استشهاده .
أقول : رحل جبل الصبر والعرفان .
فنحن لا نبكي رجلاً مضى ، بل نقف على باب روحٍ علّمت البشرية أن القرب من الله يُولد من صبرٍ لا ينكسر ، وسجودٍ لا ينقطع ، وقلبٍ لم يحمل إلا الرحمة .
كان الإمام السجادُ (ع) مرآةً للتوحيد ؛ كلما ازداد العبد فناءً في الله ، ازداد بقاءً به .
ما كانت دموعه ضعفاً ، بل كانت أنهاراً تغسل ظلمة القلوب ، وما كان سجوده عادةً ، بل كان سفراً دائماً نحو الحضرة الإلهية حيث نفخة الروح .
علّمنا الإمام السجاد (ع) أن الطريق إلى الله ليس بكثرة الكلام ، وإنما بانكسار القلب والتذلل بين يديه ، وأن أشرف المقامات أن يغيب العبد عن نفسه ليحضر بربّه .
اللهم شافنا وعافنا وأرحمنا بحق علي بن الحسين السجاد (ع) .
الثائر العليل
Published:



