بُني علي : هكذا علّمتني الحياة
الحمد لله رب العالمين .. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد .
بُني : أحياناً لا أكتب عن فراغ ، ولا أكتب لأشتكي أحداً ، فأنا أكتب ليرتاح عقلي ومشاعري من خيبات هذا الزمن ، بل أكتب هنا عن اوجاعي .. عن واقع مؤلم أعيشه .. عن زمن قاسٍ .. عن يوميات رجلٍ قد أرهقته الحياة .. فاسمع لي وأبصر !
وربما تثقل عليكَ بعض نوائب الحياة ، فأرجع الى مقولتي هذه فإنها علامات تُزيّن لك الطريق .
بُني : الحياة ليست طويلة لتجربة كل شيء .. ولا قصيرة لنتذكر كل شيء .. ولكنها جميلة اذا عرفنا انها لا تساوي شيء .
بُني : ما الحياةُ الدنيا إلا صفحات .. صفحة تُطوى .. وتليها صفحة أخرى .. وقد نجد بعضاً منها يحمل سطراً ، والبعض الآخر يحمل كلمة ..
وصفحة أخرى نكتب بها درساً تعلّمناه .. وصفحات أخرى نكتب بها بعض من الحكايات التي منها ما يُروى ، ومنها ما لا يُروى .. وهكذا تَمُرُّ الحياة .
بُني : من وهب نفسه للدنيا ، لن تعطيه الدنيا إلا قطعة أرض يدفن فيها .
ومن وهب نفسه لله ، سيعطيه الله جنة عرضها السماوات والأرض .
بُني : هل تعرف متى تشعر أنك كبرت ؟ .. حين تبدأ بالخوف على والديك أكثر من خوفك منهم .
بُني : تخاف المرأة على الرجل لأنها أمه .. وتخاف منه لأنها أخته .. وتخاف بدونه لأنها أبنته .. وتخاف عليه لانها زوجته .
أفلا تستحق أن تخافَ الله فيها ؟
بُني : أمك قد لا ترى منشوراتك ولن تستفيد منها .. فأحسن برها في الواقع وليس في المواقع .
بُني : علّمتني الحياة أن لكل إنسان بصمة يمتاز بها عن غيره .. البعض بصمته الصدق .. والآخر بصمته الحكمة .. والبعض بصمته العقل .. ولكن الأخلاق تجمع جميع البصمات فتبقى لك بصمة لن تزول حتى بعد رحيلك .. فتمسك بأخلاقك فإنها ترتقيك إنساناً بمعناه الأصيل .
دخلت سيدة إلى محل ملابس فاخر ، فلاحظت أن أباً من الفقراء واقف ينظر إلى الملابس خارج المحل عبر الزجاج .. فنادت الأب وطلبت منه الدخول إلى المحل .. دخل الرجل الفقير فطلبت منه أن يختار ما يحب من الملابس ، فنظرالرجل باستحياء إلى ملابس الأطفال الذي أمامه ، فقامت السيدة بطلب طاقمين ، وظلت جالسة تشاهد فرحته .
بعد ما انهوا من شراء الملابس ، شكرها شكراً كثيراً وخرج .
وبعدها قامت السيدة تتسلم فاتورة الحساب ، فتفاجئك أن الفاتورة فارغة ، ومكتوب فيها من صاحب المحل : “نحن لا نمتلك آلة حسابية تستطيع حساب ثمن الإنسانية” .
بُني : ليس من الضروري أن تمتلك شيئاً ليحسدونك عليه .. فقد يأتينا الحسد فقط لأننا
نتحمل أعباءالحياة ونبتسم !
بُني : لا يستطيع الطاووس رؤية جمال ريشه حين ينفتح خلفه ، لكن الجميع يقفون مبهورين به .
وأنت أيضاً ، قد لا ترى جمال ما تملكه في نفسك ، بينما يراه الآخرون بوضوح .
بُني : عندما نرسم (وردة) على الورق لا تكتمل روعتها بدون عطرها ! .. كذلك بعض البشر عندما نرسم لهم صوراً في قلوبنا لا تكتمل إلا بمشاعرهم نحونا !
بُني : إن فن قراءة الناس لا يستقيم إلا حين تصبح الملاحظة باباً للفهم لا سيفاً للحكم !
ففي زحام الوجوه والكلمات ، نظن أحياناً أننا نفهم الناس بسرعة .. لكن الحقيقة هي أكثر تعقيداً وأعمق إنسانية .
بُني : إختر لقلبك سنداً لا يميل إذا مالت بك الدنيا .
سنداً يعرف أن حاجتك إليه ليس ضعفاً بل أماناً ..
سنداً يفهم صمتك قبل كلامك .. إختر من تكون معه البداية جميلة والنهاية أجمل .
بُني : لا تُجبر أحداً على الاهتمام بك والسؤال عنك فمن يحبك حقاً سيبحث عنك كما لو كان يبحث عن شيء ثمين ضاع منه ، فالاهتمام صفة لا يمكن لأحد أن يتصنّعها ، فلا تحاول أن تُجبر أحداً على الاهتمام بك فتصبح كمن يسقي شجرة صناعية وينتظر منها أن تثمر .
بُني : الله الله في جبر الخواطر لأنها كبيرة عند الله ، كما توضحها الحكاية التالية :
ذهب عامل إلى الصيدلية وقال للصيدلي : هل لديك مرهم للأسمنت ؟
ضحك الصيدلي منه ساخراً وقال له : نعم لدينا ، ولدينا مرهم للحجر وللحديد .. هل تريد نوعية ممتازة مستوردة أم نوعية عاديّة مصنوعة في البلاد ؟
فقال العامل : اعطني النوعية الممتازة المستوردة .
فردّ عليه الصيدلي ساخراً : إنّها غالية ، أقول لك ذلك مقدّماً .
ثمّ انهمر ضاحكاً .
رفع العامل يديه أمام الصيدلي وقال له : إنّي عامل أشتغل في الاسمنت ، وقد علق الاسمنت في يديّ ولا أستطيع أن ألمس وجه ابنتي الصغيرة لكي أداعبها .. فإذا كانت النوعية الممتازة المستوردة التي لديك تُزيل هذا الاسمنت ، فاعطني إياها وسأتدبّر ثمنها .
تجمّدت الضحكات الساخرة للصيدلي على شفتيه ورأى نفسه حقيراً صغيراً کما لم یَرها من قبل .
فهو لم يحضن أطفاله منذ زمن ولم يدللهم ولم يَحنّ عليهم أبداً .
فأعلم يا بِني أن الفقر فقر القلوب وليس الجيوب .
بُني : أحياناً يكون بداخلنا كلام لا يحتاج الى أذنٍ تسمعه ، بل يحتاج الى قلبٍ يشعر به .
فإذا سألتني : لماذا تحب أمي كل هذا الحب وقد تجاوز عمرك السبعين ؟
فأقول : لأنها حور من الدنيا ونسمة من الجنة .. أغار إن رمشت عيني لأنها تحرمني منها .. وأضيق من النوم لأنه يحجبني عنها .. تُسمعني ما أحب أن أسمعه ، وتسمع مني ما أحب أن أقوله .
هي معي في السراء ، وهي مع في الضراء .. وفي الحالتين هي شاكرة .
إن أتعبتني الدنيا فيكفيني أنها فيها .. تحفظني في غيبتي وتحفظ نفسها .. تعطّرت بماء الوضوء ، وتكحّلت عينها بالنظر إلى القرآن .. لها لسان حلو لأنه ذاكر ! ولها قلب حلو لأنه خاشع .. كفّها من كثرة التسبيح حانية .. وصفحة وجهها منيرة لأن لها عين باكية .. إن سجدت وقامت فكأنها الشمس قد أشرقت .. وإن ركعت واستقامت فكأنها زهرة في بستان قلبي نبتت .
أنا منها وهي مني .. ولا أقول هي نصفي الآخر ، بل هي كلّي الآخر .
بُني : إن الذي رتب حبات الرمان بهذه الدقة
قادر ان يرتب حياتك بأفضل مما تتمنى .
بُني : أحفظ عن الإمام السيد الخوئي (قدس سره) كيف يقول عن بقية الله المهدي ( عج) عزيز آخر الزمان :
لو افترضنا أن هناك مدينة تعيش في ظلام دامس ، ويكثر فيها التصادم والفوضى بسبب الظلام ، وكان حاكم المدينة رجلاً حكيماً ، فاكتشف الناس مصباحاً يضيء المدينة بأكملها ، فوضع المصباح ليستضيء به الناس وينير دربهم . فَرحَ الناس .. وبعد مدة قام بعض الناس برمي المصباح بحجر فكسروه ، ولأن حاكم المدينة محباً لشعبه وضع مصباحاً آخر ، فكسره الناس ، جعل مصباحاً آخر وكسروه ، حتى وضع إحدى عشر مصباحاً ، والناس تكسر تلك المصابيح ، لم يبق عنده سوى مصباح واحد ، فماذا يفعل إن أخرجه للناس ؟ فسيكسروه حتماً ويعيشوا هم وذراريهم في ظلمات وجور .
الحكمة تقول : إن المحافظة على هذا المصباح أفضل ، وهو عين الصواب ، وفعلاً أخفاه الحاكم ، حتى يأتي يوم يعي الناس أهمية هذا المصباح حتى يستطيعوا الاستضاءة بنوره والدفاع عنه وحمايته !
بُني : هكذا جعل الله بعد نبيه إثني عشر إماماً هم مصابيح الدجى ، لكن الناس قتلوهم واحداً بعد واحد ، فأخفى الله آخر إمام خوفاً عليه ؛ وحباً للناس لكي يهتدوا به حين تتوفر الظروف لذلك .
فكان الإمام (عج) عين الله الناظرة .
يقول الشيخ محمد تقي البهجة [طاب ثراه] عن حَقِيقَةُ الِارْتِبَاطِ بِالقائم فِي زَمَنِ الغَيْبَة :
”ليس من الضروري أن يسعى الإنسان خلفَ تحصيل التشرّف بلقاء حضرة ولي العصر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) .
بل لعلَّ صلاة ركعتين ثم التوسل بالأئمة (عليهم السلام) أفضلُ من ذلك التشرّف .
ذلك لأنَّ الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يرى ويسمع أينما كنّا ؛ كما أنَّ العبادةَ في زمن الغيبة أفضلُ من العبادة في زمن الحضور” .
بُني : علّمتني السيدة الزهراء (عليها السلام)
أنّه إذا شَحَّ الجُند لنصرةِ إمام الزمان (عليه السلام)
نَصفُّ أضلاعَنا كتائباً بين يديه .
بُني : لو كانت الدنيا جميلة لما أتيناها نبكي .. ولو كانت نظيفة لما غسّلونا عند الموت .. فهي دار ابتلاء لا دار بقاء نمر بها لنُختبر لا لنستقر .. فتأمل !
بُني : قرأتُ هذه الرواية هي بمثابة هدية لنا من الله سبحانه بواسطة ولاية أهل البيت (عليهم السلام) .
يقول أحد العلماء :
“جاء في الرواية أنه عندما يُوضع المؤمن في قبره ، يحيط بقبره ستة أنوار : نور عند رأسه ، ونور عن يمينه ، ونور عن شماله ، ونور عند قدميه ، ونور أمامه ، ونور خلفه .
ويسأل النور الذي عند الرأس ذاك الذي عن اليمين ويقول : مَن أنت ؟ وما أنت؟
فيجيب : أنا صلاته .
ثم يسأل النور الذي عن الشمال ، فيقول : أنا صيامه .
ويقول النور الذي عند القدمين : أنا زكاته .
ويقول النور الذي في الأمام : أنا إنفاقه .
ويقول النور الذي خلفه : أنا حجه .
ثم تسأل هذه الأنوار جميعاً ذلك النور الذي عند الرأس – والذي هو أكثرها جلاءً وسطوعاً – : وأنت من تكون ؟
فيقول : أنا ولايته لعلي بن أبي طالب والأئمة الأطهار (عليهم السلام) .
وأنتم تقرؤون في القرآن الكريم : ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم﴾؛ ففي ذلك اليوم ترى نوراً يتقدم المؤمنين وعن أيمانهم يهديهم . فما هذا النور ؟
إن هذا النور هو عين أعمالنا ، لكن صورتها تتبدل في عالم الآخرة ” .
بُني : كيف نضعف .. ونحن نستند يومياً على (إياك نعبد وإياك نستعين) .
اللهُم اغمر حياتنا بالطمأنينة ، وبيوتنا بالمحبة ، وقلوبنا بالسكينة .. وعافنا بعافيتك ، عافية الدين والدنيا والآخرة .. بحق محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين .
شيخ ابو فاطمة الخفاجي






